
ولم ينطفئ حبك (3)ـ
اليوم فى الساعة التاسعة مساءاً يغادر يحيى الوطن متجها الى امريكا .. حاملا فى عقله اصراراً على النجاح وفى قلبه حب العمر الطويل ـــ
واصرت مريم ان تذهب معه لتودعه حتى سلم الطائرة .. ومن خلف سور المودعين وقفت وهى تشير له بيدها علامة النصر وهو يصعد درجة السلم ثم يقف ينظر لها ليملأ عينه منها .. من ملامحها الهادئة البريئة .. من ابتسامتها الحلوه ..الابتسامة التى تبعث فى نفسه الراحه فيرتاح .. هل سيكون مرتاحا فى الغربه وهو بعيد عن هذه الابتسامة.....؟ هل سيحتمل هذا البعد .......؟ ابداً ، انه يعرف جيداً انه سيفقد شيئا مهما هناك.. سيفقد نصف روحه .. لا بل روحه كلها، ثم يصعد درجة اخرى من سلم الطائر ويعود النظر لها فيجدها مازالت تشير بعلامة النصر وابتسامة حلوة على شفتيها ، فيبادلها نفس الاشارة وهو يبتسم لها ابتسامة اليائس من تحقيق امل حياته، ثم صعد درجات السلم الباقية ووقف على باب الطائرة.. لم يعد غير ثوان قليلة وتحمله هذه الطائرة لتلقى به فى بلد بعيد .. بعيد عن مريم .. عن ابتسامتها الحلوه،، وطبقة من الدموع تملئ عينه .. ونظر لها نظرة اخيرة .. نظرة طويلة وكأنه يأخذ بها مخزونا يكفيه على تحمل الغربه..هناك بعيداً عنها.. مخزونا من هذه العيون الهادئة.. مخزونا من هذه الابتسامة الحلوه التى تبعث فى نفسه الراحه..ثم اختفى داخل الطائرة..وحاول ان ينظر بعدها للمودعين من خلال احدى نوافذ الطائرة لكنه لم يستطع ان يراها وصوت الطائرة يملأ رأسه ويزاحم افكاره.. هل سينجح هناك.....؟ هل سيعود اعلى قدراً حتى يقتنع به المهندس عبد الحليم النجدى زوجا لإبنته......؟ هل سيحتمل الغربه بعيداً عن اهله وعن مريم..انها المرة الاولى التى يسافر فيها .. المرة الاولى التى يركب فيها طائرة..إن صوت الطائرة مزعج .. مزعج جداًوبينما هو غارق فى سُحب من الافكار القى نظرة عابرة على النافذة وفوجئ امامه.. لقد وصل امريكا .. لقد مرت الساعات الطويلة دون ان يشعر بالوقت.....وتبدو امامه ناطحات السحاب وتمثال الحرية،، ا انها امريكا،،ارض الاحلام،، جنة الحريات ،وابتسم ابتسامة فرحه.. وهو يقول فى نفسه < من يصدق . يحيى ابن جابر مسلم فى امريكا> اين انت يا عم جابرالأن.
.--.--.--.--.--.--.--.--.
تهبط الطائرة على ارض مطار نيويورك ويعترى يحيى حالة من الدهشة وهو يدوس بقدمه ارض امريكا ، واحس بشعور فى هذه اللحظه انه قوى .. اقوى من اى احد، لم يعد مجرد ابن حارس العمارة ..انه قوى بنجاحه بعلمه وبلده نفسها تشهد بذلك ،، وعليه الأن ان يرسم ملامح هذا النجاح حتى يصل به الى مرماه .. الى قمة المجتمع ، لن يعود ابن حارس العمارة..لن يُشفق عليه احداً بعد اليوم..لن يسمح بأن يشفق عليه احد ، سيأخذ الدكتوراه ويعود شيئا مهما.. استاذا فى الجامعة..وباحثا وربما عالما فى الفيزياء وواضع نظريات،،،،،،،،، من يدرى ..؟ انه لا مستحيل تحت هذه السماء .
وخرج من المطار فى لهفة المستكشف الذى يريد التعرف على هذا العالم الجديد هذا المجتمع الجديد الذى قرأ عنه الكثير.. المجتمع الأمريكى.. انه مجتمع يقوم على العمل والمصالح فى المقام الأول ، لا مجال للعواطف..لا وقت لها.. لا لشئ سوى العمل ، هنا كل شئ بحساب.. السلام بحساب.. المصافحة بحساب.. العلاقات الأجتماعية بحساب.. حتى الحب بحساب ،، وسار فى شوارع نيويورك ينظر الى الوجوه يحاول ان يستكشف ما بداخلهم ..لعله يستطيع ان يصل الى عقولهم ..الى افكارهم.. تُرى كيف يفكرون هؤلاء البشر فى هذه البقعة من الأرض.....؟ كيف يتعاملون حتى يسهل عليه التعامل معهم بنفس الطريقة .. لكن الوجوه كثيرة.. إن عينه لا تستطيع ان تتحمل كل هذا العدد من الوجوه ، والناس امامه لا تسير..انها تجرى وكأنهم فى سباق مع الزمن وكأنهم يريدون اللحاق بالقطار قبل ان تنطلق صفارته.. او كأنهم ينتظرون شيئا مهما.. كلهم يهرلون..كلهم فى جرى مستمر ، فهذا الطفل يجرى وراء امه، وهذه الفتاة تجرى ..حتى هذه السيدة العجوز تجرى هى الأخرى .. ونظره الى نفسه فى غرابة.. انه الوحيد الذى يسير دون ان يجرى مثلهم ..ونظر الى قدماه وكأنه يحثها على الجرى .. وجرى فى خطواته مع الناس حتى يواكب هذا الإيقاع .. الإيقاع السريع . وكأنه تعلم اول درس له فى امريكا.. لابد ان يجرى حتى يواكب هذا الإيقاع الجديد..انه لو تقاعس عن الجرى ..سيصبح فى المؤخرة.. مؤخرة السباق،، إن امريكا دائما فى المقدمة لأنها تجرى و تجرى ، انه لو حدث مرة وتقاعست عن الجرى لن تصبح امريكا..لن تصبح فى المقدمة.. لن تصبح سيدة العالم . وهو فى جريه لا يزال ينظر الوجوه والأمكنة والشوارع وتلك البناءات الشاهقة.. بناءات من زجاج وبناءات تبدو من معدن تزداد لمعانا ووهجا عندما تصطدم بأشعة الشمس .. وحاول ان يسأل فى خطواته السريعة من يدله للوصول الى ميدان الحرية.. انه يريد ان يلتقى بهذا التمثال عن قرب كثيراً ما شاهده فى الأفلام الأمريكية وفى نشرات الأخبار .. انه لن يقتنع انه اصبح فى امريكا إلا اذا رأى هذا التمثال، وحاول ان يسأل فتاة شقراء مرت من امامه وقال لها فى لغة انجليزية ركيكة..
pleas.. where is freedom square? -
فقالت فى سرعة وهى تجرى من امامه دون ان تنظر له
I do,t know -
يبدو انه سيواجه متاعب كثيرة فى هذا البلد، وابتسم بينه وبين نفسه فى سخرية.. انها لم تُكلف نفسها وتقف ثانية لترد على سؤاله .. الى هذا الحد تريد اللحاق بالسباق.. وسأل مرة اخرى رجلا عجوزاً مر امامه فأشاح بيده ولم يرد عليه.. وفغر يحيى فاه فى دهشة.. ثم ضحك بصوت عالى وهو يقول
- ماذا يحدث هنا يا امريكا .. الا يوجد فاعل خير واحد فى هذا البلد يدلنا..فاعل خير يا اولاد العم سام .. فاعل خير واحد وله الأجر والثواب . وحاول ان يسأل مرة ثالثة لعله يجد من يرد عليه .. وكان شابا يرتدى ملابس ممزقه ذو شارب مهدل فوق فمه وشعر طويل مبعثر حول وجهه ،، وكرر يحيى السؤال عليه.. فوجد الشاب صامتا وهو ينظر له نظرات لها مغذى وطال صمته وفجاءة قال فى صوت هامس كفحيح ثعبان وهو يقترب منه ويمد يده الى قميصه يريد ان يفتح ازراره
- I love you baby.. I love you .
فنهره يحيى فى عنف وجرى من امامه فى خوف ساخطا وهو يلعنه ويلعن امريكا معه ، يبدو انه من الذين يطلقون عليهم شواذ ..لابد انه سيقابل هذا النوع كثيرا ..لقد قرأ عنهم وشاهدهم فى الافلام الامريكيه كثيرا





